الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
177
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
وقوله : بِنِعْمَتِهِ الباء فيه للملابسة بمعنى ( مع ) أي أصبحتم إخوانا مصاحبين نعمة من اللّه وهي نعمة الأخوّة ، كقول الفضل بن عبّاس بن عتبة اللهبي : كلّ له نية في بغض صاحبه * بنعمة اللّه نقليكم وتقلونا وقوله : وَكُنْتُمْ عَلى شَفا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْها عطف على كُنْتُمْ أَعْداءً فهو نعمة أخرى وهي نعمة الإنقاذ من حالة أخرى بئيسة وهي حالة الإشراف على المهلكات . والشّفا مثل الشّفة هو حرف القليب وطرفه ، وألفه مبدلة من واو . وأما واو شفة فقد حذفت وعوضت عنها الهاء مثل سنة وعزّة إلّا أنهم لم يجمعوه على شفوات ولا على شفين بل قالوا شفاه كأنّهم اعتدوا بالهاء كالأصل . فأرى أن شفا حفرة النّار هنا تمثيل لحالهم في الجاهلية حين كانوا على وشك الهلاك والتّفاني الّذي عبّر عنه زهير بقوله : تفانوا ودقّوا بينهم عطر منشم بحال قوم بلغ بهم المشي إلى شفا حفير من النّار كالأخدود فليس بينهم وبين الهلاك السّريع التّام إلا خطوة قصيرة ، واختيار الحالة المشبّه بها هنا لأن النّار أشدّ المهلكات إهلاكا ، وأسرعها ، وهذا هو المناسب في حمل الآية ليكون الامتنان بنعمتين محسوستين هما : نعمة الأخوة بعد العداوة ، ونعمة السلامة بعد الخطر ، كما قال أبو الطيب : نجاة من البأساء بعد وقوع والإنقاذ من حالتين شنيعتين . وقال جمهور المفسرين : أراد نار جهنّم . وعلى قولهم هذا يكون قوله : شَفا حُفْرَةٍ مستعارا للاقتراب استعارة المحسوس للمعقول . والنّار حقيقة ، ويبعد هذا المحمل قوله تعالى : حُفْرَةٍ إذ ليست جهنّم حفرة بل هي عالم عظيم للعذاب . وورد في الحديث « فإذا هي مطوية كطي البئر وإذا لها قرنان » لكن ذلك رؤيا جاءت على وجه التمثيل وإلا فهي لا يحيط بها النّظر . ويكون الامتنان على هذا امتنانا عليهم بالإيمان بعد الكفر وهم ليقينهم بدخول الكفرة النّار علموا أنّهم كانوا على شفاها . وقيل : أراد نار الحرب وهو بعيد جدا لأنّ نار الحرب لا توقد في حفرة بل توقد في العلياء ليراها من كان بعيدا كما قال الحارث :